زمردة
10-10-2010, 03:40 PM
خوش بلتيقه
ألم أقل لكم ان البعض بدأ يتوهم أنني خبير في اللهجة وتراثها وأمثالها وتعبيراتها. أجل ، لقد بدأ البعض يعتقد ذلك ففي الأمس ـ مثلا ـ سألني أحد زملائي في العمل قائلا : أتعرف ما معنى "بلتيقه" ومن اين جاءت ؟ فابتسمت وقلت له بسرعة : البلتيقه يا صاحبي هي " الداور كيسه" و"الداور كيسه " هي الحيلة العظيمة المكر التي من فرادتها تكون مثار تندر وسخرية. ترى البغدادي يقول : ها خوش بلتيقه ! وهو يلمح الى غرابة الحيلة التي يمكن ان يلحظها في تصرف شخص ما او حتى في أفكاره للخلاص من مأزق او المداورة في موقف.
في المعنى ذاته يمكن أن تستمع الى حوار بين عراقيين فتند عن أحدهما عبارة متعجبة : أيباخ .. شلون "داور كيسه"! والمقصود هو ابداء الدهشة مع استنكار لمعقولية ما يسمع.
المفردتان فارسيتان كما لا يخفى من لفظهما رغم ان هناك من يقول ان "الداور كيسه" منحوتة من المفردتين "داور" و"كيسه ": الاولى تعني ممرا صغيرا يوضع في البيوت الشامية بجانب غرف النوم بينما " الكيسه" تعني الجيب ومعنى الاصطلاح كما يقولون هو ان البعض كان يشتري الماء من جيبه الشخصي ثم يوزعه على المارة مجانا . وأظن أنهم تخيلوا مثل ذلك الشخص وكأنه يقف في ممر يشبه "الداور" لضيقه ثم يوزع الماء وهي كناية لطيفة عن ندرة مثل هؤلاء الاشخاص في مجتمعاتنا .
لاحقا ، حرف المصطلح ، كما أرى ، عن معناه الحقيقي الى معنى مناقض اذ تخيلوا من يخاتل الآخرين بغية خداعهم وكأنه يطرق ممرات لا تخطر في البال لغرابتها .
الحال ان من يعمد الى "البلتيقه" و"الداور كيسه" هم نمط من المخادعين الحيالين الذين وصفهم المجتمع بعشرات المفردات من اشهرها " الشلايتي" و"السرسري" و "الجربوز" و"المقرباز" و"الكلاوجي" وأغلب هذه المفردات اما تركية او فارسية وثمة من أخبرني ان "السرسري" و"الشلايتي" باللغة التركية كانا تعنيان وظيفتين حكوميتين تماثلان مفردة "المحتسب" في العربية أي انهما تتعلقان بمراقبة الاسواق والأسعار. وان "السرسري" التركي هذا كان استغل وظيفته بطريقة غير قانونية بعد فترة من عمله فراح يفسد الآخرين بأخذ الرشوة منهم وهو ما استدعى العثمانيين الى استحداث وظيفة جديدة هي وظيفة "الشلايتي" الذي كلف بمراقبة "السرسري" ثم ما كان من الاثنين سوى انهما اتفقا ، بعد فترة صراع ، على الفساد سويا فصارا يعنيان بلهجتنا معنى نقيضا لحقيقتيهما.
أما "المقرباز" التي غالبا ما تردف بمفردة "حيّال" فلا أدري أصلها سوى أنها تعني كل شخص يتخذ المكر وسيلة لمغالبة الآخرين والانتصار عليهم فهو "مشيطن" و"ملج ارزك" و"متعفرت" والصياغة الأخيرة تدل على معنيين : الأول هو "النمردة" ، اي الطغيان والثاني هو التحايل المأخوذ من "العفريت". وأصل "العفرتة" مأخوذة كما يقال من الاحرف الأولى لمدن سيطر رجالها على العراق بعد 8 شباط وهي عانة وتكريت وهيت وراوة والفلوجة.
وبالعودة الى الشيطنة التي صيغت منها كلمة "مشيطن" فقد ركز في العقل الاجتماعي ان الحيلة والمكر من صفات الشيطان ولذا فان من يتميز بهما لابد أن يكون اكثر ميلا ونزوعا نحو هذا الكائن المخادع، بل اذا أردت المبالغة في هذه الفكرة يمكنك القول ببساطة ان ذلك الحيال الماكر "راضع ويه ابليس" لشدة دهائه.
والرضاعة مع أبليس مجازية بالتأكيد شأنها شأن "اللعب على الحبلين" و"تلبيس العكل" و"الكلاوات" في رؤوس المساكين من أمثالنا وبمناسبة انتهائي الى هذه "الكلاوات" التي غالبا ما حيرني مصدرها، وأن كنت متأكدا أنه قادم من لغة اعمامنا الانجليز حيث يسمون المهرج Clown، اقول بما أنني وصلت الى الكلاوات فعلي طمئنتكم الآن : لا تتوقعوا أي خير من مفاوضات الكتل لتشكيل الحكومة فالمشهد الذي يتراءى لي كل لحظة ، وبعد أي اجتماع ، هو التالي : ينزوي قائدان في كتلة واحدة جانبا ويتهامسان حول مقترح او فكرة طرحت ، وبعد هنيهة تند عن أحدهما العبارة التي سمعتموها آنفا : أيباخ شنو هاللواته ، لك هذا راضع ويه ابليس ، يريدنه نتنازل مقابل منصب "حساس" ..شلون بلتيقه
ألم أقل لكم ان البعض بدأ يتوهم أنني خبير في اللهجة وتراثها وأمثالها وتعبيراتها. أجل ، لقد بدأ البعض يعتقد ذلك ففي الأمس ـ مثلا ـ سألني أحد زملائي في العمل قائلا : أتعرف ما معنى "بلتيقه" ومن اين جاءت ؟ فابتسمت وقلت له بسرعة : البلتيقه يا صاحبي هي " الداور كيسه" و"الداور كيسه " هي الحيلة العظيمة المكر التي من فرادتها تكون مثار تندر وسخرية. ترى البغدادي يقول : ها خوش بلتيقه ! وهو يلمح الى غرابة الحيلة التي يمكن ان يلحظها في تصرف شخص ما او حتى في أفكاره للخلاص من مأزق او المداورة في موقف.
في المعنى ذاته يمكن أن تستمع الى حوار بين عراقيين فتند عن أحدهما عبارة متعجبة : أيباخ .. شلون "داور كيسه"! والمقصود هو ابداء الدهشة مع استنكار لمعقولية ما يسمع.
المفردتان فارسيتان كما لا يخفى من لفظهما رغم ان هناك من يقول ان "الداور كيسه" منحوتة من المفردتين "داور" و"كيسه ": الاولى تعني ممرا صغيرا يوضع في البيوت الشامية بجانب غرف النوم بينما " الكيسه" تعني الجيب ومعنى الاصطلاح كما يقولون هو ان البعض كان يشتري الماء من جيبه الشخصي ثم يوزعه على المارة مجانا . وأظن أنهم تخيلوا مثل ذلك الشخص وكأنه يقف في ممر يشبه "الداور" لضيقه ثم يوزع الماء وهي كناية لطيفة عن ندرة مثل هؤلاء الاشخاص في مجتمعاتنا .
لاحقا ، حرف المصطلح ، كما أرى ، عن معناه الحقيقي الى معنى مناقض اذ تخيلوا من يخاتل الآخرين بغية خداعهم وكأنه يطرق ممرات لا تخطر في البال لغرابتها .
الحال ان من يعمد الى "البلتيقه" و"الداور كيسه" هم نمط من المخادعين الحيالين الذين وصفهم المجتمع بعشرات المفردات من اشهرها " الشلايتي" و"السرسري" و "الجربوز" و"المقرباز" و"الكلاوجي" وأغلب هذه المفردات اما تركية او فارسية وثمة من أخبرني ان "السرسري" و"الشلايتي" باللغة التركية كانا تعنيان وظيفتين حكوميتين تماثلان مفردة "المحتسب" في العربية أي انهما تتعلقان بمراقبة الاسواق والأسعار. وان "السرسري" التركي هذا كان استغل وظيفته بطريقة غير قانونية بعد فترة من عمله فراح يفسد الآخرين بأخذ الرشوة منهم وهو ما استدعى العثمانيين الى استحداث وظيفة جديدة هي وظيفة "الشلايتي" الذي كلف بمراقبة "السرسري" ثم ما كان من الاثنين سوى انهما اتفقا ، بعد فترة صراع ، على الفساد سويا فصارا يعنيان بلهجتنا معنى نقيضا لحقيقتيهما.
أما "المقرباز" التي غالبا ما تردف بمفردة "حيّال" فلا أدري أصلها سوى أنها تعني كل شخص يتخذ المكر وسيلة لمغالبة الآخرين والانتصار عليهم فهو "مشيطن" و"ملج ارزك" و"متعفرت" والصياغة الأخيرة تدل على معنيين : الأول هو "النمردة" ، اي الطغيان والثاني هو التحايل المأخوذ من "العفريت". وأصل "العفرتة" مأخوذة كما يقال من الاحرف الأولى لمدن سيطر رجالها على العراق بعد 8 شباط وهي عانة وتكريت وهيت وراوة والفلوجة.
وبالعودة الى الشيطنة التي صيغت منها كلمة "مشيطن" فقد ركز في العقل الاجتماعي ان الحيلة والمكر من صفات الشيطان ولذا فان من يتميز بهما لابد أن يكون اكثر ميلا ونزوعا نحو هذا الكائن المخادع، بل اذا أردت المبالغة في هذه الفكرة يمكنك القول ببساطة ان ذلك الحيال الماكر "راضع ويه ابليس" لشدة دهائه.
والرضاعة مع أبليس مجازية بالتأكيد شأنها شأن "اللعب على الحبلين" و"تلبيس العكل" و"الكلاوات" في رؤوس المساكين من أمثالنا وبمناسبة انتهائي الى هذه "الكلاوات" التي غالبا ما حيرني مصدرها، وأن كنت متأكدا أنه قادم من لغة اعمامنا الانجليز حيث يسمون المهرج Clown، اقول بما أنني وصلت الى الكلاوات فعلي طمئنتكم الآن : لا تتوقعوا أي خير من مفاوضات الكتل لتشكيل الحكومة فالمشهد الذي يتراءى لي كل لحظة ، وبعد أي اجتماع ، هو التالي : ينزوي قائدان في كتلة واحدة جانبا ويتهامسان حول مقترح او فكرة طرحت ، وبعد هنيهة تند عن أحدهما العبارة التي سمعتموها آنفا : أيباخ شنو هاللواته ، لك هذا راضع ويه ابليس ، يريدنه نتنازل مقابل منصب "حساس" ..شلون بلتيقه